البراء القرشي لـ«برق تك»: الذكاء الاصطناعي يمنحك السرعة.. لكن السوق هو من يحدد بقاءك

case-studies

البراء القرشي لـ«برق تك»: الذكاء الاصطناعي يمنحك السرعة.. لكن السوق هو من يحدد بقاءك | برق تك

البراء القرشي يكشف في «قصص نجاح الشرقية» فرص ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي في المنطقة الشرقية، ولماذا يجب على الشركات الناشئة اختبار السوق وتجنب فخ الكمال.

حوار وإعداد: منار بحيري حين يصبح إطلاق منصة تقنية ممكنًا خلال يوم واحد، وحين يمكن إنجاز مهام كانت تحتاج إلى أسابيع خلال دقائق، لا تعود السرعة وحدها ميزة تنافسية. السؤال الأصعب يصبح: هل نحل مشكلة حقيقية؟ وهل نبني شركة يفهمها السوق ويرغب في منتجها؟ هذه هي الزاوية التي ينطلق منها البراء نبيل القرشي في قراءته لمستقبل الشركات الناشئة السعودية. فهو يرى أن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام المؤسسين فرصة غير مسبوقة للتجربة والوصول إلى السوق، لكنه لا يعفيهم من أساسيات لا تتغير: فهم العميل، وبناء المنتج، وتحقيق المبيعات، واختيار الشريك المؤسس، وتكوين فريق قادر على الصمود. ويقدّم القرشي نفسه مهنيًا بوصفه بانيًا للمنظومات الريادية ومتخصصًا في الابتكار والشركات التقنية الناشئة، وينطلق في رؤيته من أن قوة منظومة ريادة الأعمال السعودية تكمن في تنوع مناطق المملكة، لا في تركّز النشاط داخل مدينة واحدة. فبينما نجحت الرياض في ترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا رئيسيًا للأعمال والاستثمار، تمتلك بقية مناطق المملكة مقومات اقتصادية وبشرية قادرة على إنتاج نماذج ابتكارية مختلفة. وتبرز فرص واعدة في مجالات تقنيات المناخ والزراعة والغذاء والطاقة والبترول والغاز والتقنيات العميقة؛ بما يتيح لكل منطقة بناء منظومة تنطلق من مواردها واحتياجاتها، وتسهم في الوقت نفسه في نمو الاقتصاد الوطني. في الحوار الثاني من مبادرة «قصص نجاح الشرقية» ، تقترب برق تك من رؤية البراء القرشي لبناء المنظومات خارج العاصمة، وتأثير الذكاء الاصطناعي في تأسيس الشركات، وتحديات استقطاب المواهب، ودور أسهم الموظفين والاستثمار الملائكي، والدروس التي يحتاج إليها كل مؤسس قبل أن يضع منتجه أمام السوق. وإلى نص الحوار.. بعد النمو الذي شهدته ريادة الأعمال السعودية، أين ترى الفرص التي لم تُستثمر بعد؟ شهدت منظومة الشركات الناشئة والابتكار في السعودية تطورًا كبيرًا، خصوصًا منذ الجائحة. ونجحت الرياض في بناء منظومة قوية بحكم دورها كعاصمة ومركز للأعمال والاستثمار، لكن الفرصة المقبلة لا تقتصر على تكرار التجربة نفسها في مدن أخرى. يمكن لكل منطقة أن تبني منظومة تعكس طبيعتها الاقتصادية ومواردها ونوعية رواد الأعمال فيها. وفي المنطقة الشرقية، تظهر فرص مهمة في الخبر والدمام والأحساء والقطيف؛ لأن كل مدينة تمتلك بيئة مختلفة يمكن أن تنتج ابتكارات تتناسب مع احتياجاتها. أرى مساحات واعدة في تقنيات المناخ، والتقنيات الزراعية والغذائية، وتقنيات البترول والغاز، والتقنيات العميقة. وقد بدأت بالفعل جهود بناء هذه المنظومات، لكنها ما زالت تحتاج إلى مزيد من الزخم والاستمرارية؛ لأن بناء المنظومة هو حجر الأساس لنمو ريادة الأعمال، وليس مجرد تنظيم فعاليات متفرقة. كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تأسيس الشركات الناشئة ونموها؟ أعتقد أننا نعيش إحدى أفضل الفترات لتأسيس شركة تقنية ناشئة. فمع التسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح رائد الأعمال قادرًا على إنجاز مهام كانت تستغرق أيامًا أو أسابيع خلال دقائق معدودة. كما أصبح الوصول إلى السوق أسهل؛ إذ يمكن للمؤسس بناء نموذج أولي أو إطلاق منصة خلال يوم واحد أو أقل، ثم البدء في اختبار الفكرة مع المستخدمين بدلًا من قضاء أشهر طويلة قبل أول احتكاك حقيقي بالسوق. لكن انخفاض تكلفة البناء وسرعته لا يعني أن النجاح أصبح مضمونًا. الذكاء الاصطناعي يختصر الطريق إلى التجربة، أما السوق فهو الذي يحدد ما إذا كانت الفكرة تحمل قيمة فعلية ويمكن أن تتحول إلى شركة قابلة للنمو. هل أصبح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ضرورة لنمو الشركات السعودية؟ أي منظومة تحتاج إلى معيار واضح يثبت نموها، وأحد أهم هذه المعايير هو الإنتاجية. توجد اليوم أدوات كثيرة تستطيع رفع إنتاجية الأفراد والفرق، وعندما ترتفع الإنتاجية تتحسن قدرة الشركة على الإنجاز والنمو. يبقى قرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في يد كل شركة، لكن تجربتي الشخصية توضح أثرها المباشر؛ فقد زادت إنتاجيتي وسرعة إنجازي بعد استخدامها، وهذه ليست تجربة فردية، بل نتيجة يلاحظها كثيرون. ومن بين أكثر المجالات التي أرى أنها تستحق الاستثمار: وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) ، لما تحمله من فرصة لرفع كفاءة الأعمال وتنفيذ المهام بصورة أسرع وأكثر تنظيمًا. هل يمكن تقديم الحل التقني نفسه للشركة الناشئة والمؤسسة الكبيرة؟ من الصعب التعامل مع الشركات السعودية بوصفها فئة واحدة؛ فاحتياج الشركة الناشئة أو الصغيرة يختلف جذريًا عن احتياج الشركات الكبرى. الشركات الناشئة والصغيرة تستطيع عادة اتخاذ قرارات تقنية سريعة، وتجربة أدوات جديدة، وتعديل أنظمتها بمرونة أكبر. أما الشركات الكبرى، فتعتمد في الغالب على أنظمة داخلية معقدة، وحوكمة أعلى، ودورات اعتماد أطول، كما أن تكلفة التغيير لديها أكبر. لذلك يجب أن يتحدد تصميم المنتج التقني وفق نوع الشركة وحجمها وطريقة اتخاذ القرار داخلها، وأن يستهدف نقاط الألم والتحديات الحقيقية التي تواجهها، بدل تقديم حل واحد للجميع. من أين ينبغي أن تبدأ شركات التقنية المحلية عند تطوير حلول للسوق؟ البداية يجب أن تكون من المشكلة، لا من التقنية. أنصح شركات التقنية بتقسيم السوق ودراسة كل نوع من الشركات على حدة، ثم الاستثمار في حصر المشكلات التشغيلية والتقنية التي تواجهها. بعد ذلك يمكن تحديد المشكلات المشتركة والمتكررة، وبناء حلول تستجيب لها. الهدف ليس تطوير منتج ثم البحث عمّن يشتريه، بل الوصول إلى منتج يرغب فيه العميل فعلًا؛ لأنه يعالج تحديًا يعرفه ويشعر بتكلفته. ما أكبر تحدٍّ يواجه الشركات الناشئة السعودية في استقطاب المواهب والمحافظة عليها؟ ما زال كثير من الموظفين يفضلون الانضمام إلى شركة مستقرة ومرموقة؛ لأن عواصفها أقل من عواصف الشركات الناشئة. وهذا في رأيي أحد أكبر التحديات التي تواجه المؤسسين عند بناء فرق قوية. يضاف إلى ذلك أن التقنية تتطور بوتيرة شبه يومية، ولذلك تصبح المواكبة والتعلم المستمر جزءًا أساسيًا من قدرة الفريق على الاستمرار، لا مهارة إضافية يمكن تأجيلها. كما أرى أن تبني خطط ملكية أسهم الموظفين (ESOP) ضروري للمحافظة على المواهب وكسب ولائها. لقد كانت هذه الخطط أحد أسباب نجاح شركات تقنية عالمية كثيرة؛ لأنها تمنح الموظف حصة في القيمة التي يسهم في بنائها. عندما يعلم عضو الفريق أن جهده سينعكس على نمو الشركة وقيمة حصته، يبدأ في التفكير بعقلية المساهم، لا بعقلية الموظف الذي ينتظر راتبه فقط. كيف توازن الشركة الناشئة بين تبني الذكاء الاصطناعي وبناء نموذج أعمال مستدام؟ التوازن يبدأ بإعطاء كل عنصر حقه، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملًا مساعدًا، لا أساس العمل كله. الجميل في المرحلة الحالية أن هذه الأدوات لم تعد حكرًا على التقنيين، وأصبح بإمكان مختلف فرق الشركة الاستفادة منها. لكن أي شركة، بصرف النظر عن التقنية التي تستخدمها، تعتمد في نموها على محاور أساسية، وفي مقدمتها تطوير المنتج والمبيعات. التركيز على هاتين المنطقتين هو سر الاستدامة؛ لأن التقنية لا تعوض منتجًا لا يحتاج إليه العميل، ولا تبني وحدها قناة مبيعات قادرة على النمو. ما الذي تحتاج إليه منظومة ريادة الأعمال السعودية لبناء شركات تنافس عالميًا؟ المنظومة لا ينقصها سوى مزيد من رواد الأعمال الحالمين والطموحين والصبورين، ممن لديهم استعداد حقيقي للتعلم والابتكار وإضافة قيمة جديدة. كما تحتاج إلى نشر ثقافة الاستثمار الملائكي ودعمها. توجد رؤوس أموال كثيرة يمكن جذبها إلى هذا النوع من الاستثمار، وتحويلها إلى وقود يساعد المؤسسين في المراحل المبكرة على اختبار أفكارهم وبناء شركاتهم. المطلوب ليس التمويل وحده، بل رأس مال يفهم طبيعة الشركات الناشئة، ويتقبل مخاطرها، ويمنح المؤسس إلى جانب المال معرفة وشبكة علاقات وقدرة على الوصول. ما الذي يجب أن يتعلمه رائد الأعمال قبل تأسيس شركته التقنية الأولى؟ قبل دخول عالم الشركات التقنية الناشئة، أنصح المؤسس بأن يقرأ عن طبيعة هذه الشركات، وآلية عملها، وأنواع الاستثمارات التي تناسب مراحلها المختلفة. لكن القراءة وحدها لا تكفي؛ الأهم في النهاية هو أن تبدأ. كذلك يجب اختيار الشريك المؤسس بعناية، وأن تكون أدوار الشركاء مكملة لبعضها. بعد توفيق الله، قد يكون الشريك المؤسس أحد أهم أسباب نجاح المشروع أو فشله؛ لأن العلاقة لا تقوم على الحماس للفكرة فقط، بل على تكامل المهارات، والقدرة على اتخاذ القرارات، وتحمل الضغوط. وما النصيحة الأهم للمؤسسين وهم يضعون منتجاتهم أمام السوق؟ ابدأ من دون أن تقع في فخ السعي إلى الكمال. هذا لا يعني العمل بعشوائية أو التنازل عن الكفاءة، لكنه يعني أن تمنح نفسك مساحة للتجربة والخطأ والتعلم، خصوصًا في البدايات. السوق هو المعلم والموجّه والبوصلة؛ فلا تعاند السوق. إذا أطلقت منتجًا ولم يتقبله العملاء، فلا تتأخر في تغييره أو تعديله حتى يتوافق مع الحاجة الحقيقية. وإذا وصلت إلى مرحلة تأسيس شركة واستقطاب مستثمرين، فتذكر أن الأموال التي حصلت عليها ليست ملكًا شخصيًا. أنت مؤتمن عليها من أجل تنمية الشركة وتحقيق أثر اقتصادي ومردود استثماري للمساهمين والمنظومة التي دعمتك. السوق لا يجامل في رؤية البراء القرشي، لا تُبنى الشركات التقنية بالسرعة وحدها، ولا بالأداة الأكثر حداثة، ولا بالتمويل منفردًا. ما يصنع الشركة هو منظومة متكاملة: مشكلة حقيقية، ومنتج يُختبر مبكرًا، ومبيعات تثبت القيمة، وشريك مؤسس يكمل الرحلة، وفريق يرى نفسه جزءًا من الملكية والنتيجة. وتبدو المنطقة الشرقية في قلب هذه الرؤية؛ لا بوصفها نسخة أصغر من منظومة أخرى، بل مساحة تمتلك مواردها وفرصها الخاصة في الصناعة والطاقة والزراعة والغذاء والمناخ والتقنيات العميقة. أما الذكاء الاصطناعي، فيمنح المؤسسين قدرة أسرع على البناء والتجربة، لكنه يجعل اختبار السوق أكثر إلحاحًا لا أقل. فعندما يصبح بناء المنتج أسهل، تصبح القدرة على اختيار المشكلة الصحيحة والاستماع إلى العميل هي الفارق الحقيقي. اقرألا أيضَا: محمد المرهون لـ«برق تك»: الذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة البداية ورفع صعوبة المنافسة

العودة إلى برق تك