case-studies
محمد الحاج سليمان لـ«برق تك»: قيمة الذكاء الاصطناعي تبدأ من المشكلة… لا من شراء الأداة | برق تك
يوضح محمد الحاج سليمان كيف تساعد الاستراتيجية وإدارة المشاريع والبيانات والذكاء الاصطناعي الشركات السعودية على تحسين التنفيذ وبناء أعمال قابلة للتوسع.
حوار وإعداد: منار بحيري تخرج شركات كثيرة من جلسات التخطيط بوثائق متقنة، وأهداف واضحة، ومبادرات موزعة على الإدارات. وبعد أشهر، تتقدم الأعمال اليومية إلى الواجهة، وتتراجع الأولويات الاستراتيجية، ويصبح السؤال داخل الإدارة: لماذا لم تتحول الخطة إلى نتائج؟ يرى محمد أحمد الحاج سليمان أن المشكلة لا تبدأ غالبًا من ضعف الاستراتيجية، بل من غياب منظومة التنفيذ التي تربط الأهداف بالمشاريع والميزانيات والمسؤوليات ومؤشرات الأداء. فالخطة تحتاج، بعد اعتمادها، إلى مالك واضح لكل مبادرة، وإيقاع متابعة يسمح بالتصحيح المبكر، وقرارات جريئة توقف ما لا يحقق أثرًا. يمتلك الحاج سليمان خبرة تتجاوز خمسة عشر عامًا في التخطيط الاستراتيجي والحوكمة وإدارة المشاريع والمحافظ وتطوير الأعمال. ويعمل في مجال التخطيط الاستراتيجي بوزارة النقل والخدمات اللوجستية، وشارك ضمن قائمة محكمي جوائز المنتدى العالمي لإدارة المشاريع. في هذا الحوار ضمن مبادرة «قصص نجاح الشرقية»، يناقش الحاج سليمان أسباب فجوة التنفيذ، ومتى تحتاج الشركة إلى مكتب لإدارة المشاريع، وكيف تساعد البيانات والأتمتة والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار، وما الذي تحتاج إليه المنشآت للانتقال من إدارة العمل اليومي إلى بناء مؤسسة قابلة للنمو والتوسع. من واقع خبرتك في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع، ما أبرز الفجوات التي تمنع الشركات من تحويل استراتيجياتها إلى نتائج فعلية؟ الفجوة الأوضح هي غياب المسؤولية بعد اعتماد الاستراتيجية. تنتهي جلسات التخطيط، ثم لا يكون هناك شخص محدد يُسأل عن كل مبادرة، ولا مؤشر يقيس أثرها، ولا موعد منتظم لاتخاذ قرار بشأنها. عندها تتحول الاستراتيجية إلى وثيقة مرجعية بدلًا من أن تصبح جزءًا من إدارة الشركة اليومية. التنفيذ يحتاج إلى ربط كل هدف استراتيجي بمحفظة مشاريع وميزانية وموارد ومسؤول تنفيذي. كما يحتاج إلى اجتماع متابعة يناقش الانحرافات والقرارات المطلوبة، لا إلى إعادة عرض نسب الإنجاز فقط. وفي مبادرات النمو تحديدًا، يجب اختبار السؤال الأساسي مبكرًا: هل تعالج المبادرة مشكلة يشعر بها العميل ومستعد للدفع مقابل حلها؟ قد تنفذ الشركة مشروعًا بكفاءة عالية، ثم تكتشف أن السوق لا يرى فيه قيمة كافية. لذلك يبدأ التنفيذ الجيد من التحقق من الافتراضات، ثم الاستمرار أو التعديل وفق ما تكشفه النتائج. كثير من الشركات تضع خططًا طموحة، لكن التنفيذ لا يسير بالمستوى نفسه. أين تكمن المشكلة عادةً: في التخطيط، أم الموارد، أم المتابعة وقياس الأداء؟ العناصر الثلاثة مترابطة، ولا يمكن علاج أحدها بمعزل عن الآخر. التخطيط يضع الاتجاه، والموارد تحدد ما يمكن تنفيذه، والمتابعة تكشف ما إذا كانت الشركة ما زالت تسير نحو النتيجة المطلوبة. في التخطيط، تظهر المشكلة عندما تُبنى الخطة على افتراضات ثابتة ولا تتضمن نقاطًا واضحة للمراجعة. وفي إدارة الموارد، يظهر التشتيت عندما يعمل الفريق على عدد كبير من المبادرات بتمويل واهتمام جزئيين. غالبًا تحقق ثلاث أولويات مكتملة الموارد أثرًا أكبر من عشر مبادرات موزعة بين الفرق. أما المتابعة، فلا تقتصر على تسجيل ما أُنجز. المطلوب هو قراءة مؤشرات مبكرة توضح التقدم والمخاطر، ثم اتخاذ قرار. ومن أفضل الممارسات اختبار الافتراض الأخطر في الخطة بأقل تكلفة وفي أقرب وقت. فإذا سقط هذا الافتراض، يجب تعديل المسار قبل استهلاك الميزانية والوقت. متى تحتاج الشركة إلى إنشاء مكتب لإدارة المشاريع أو تطوير منظومة لإدارة المشاريع والبرامج؟ تحتاج الشركة إلى هذه المنظومة عندما تصبح المشاريع أكثر من قدرة الإدارة على متابعتها بالأسلوب الفردي. وهناك إشارات عملية واضحة، منها: ألا تستطيع الإدارة معرفة حالة مشاريعها خلال يوم واحد. أن تتنافس الإدارات باستمرار على الأشخاص والموارد نفسها. أن تُكتشف التأخيرات عند موعد التسليم بدلًا من اكتشافها أثناء التنفيذ. ظهور أكثر من إشارة يعني أن الشركة تحتاج إلى جهة تنظم المحفظة، وتوحّد التقارير، وتحدد مسار التصعيد. وقد تبدأ المنظومة بصورة تتناسب مع حجم الشركة، ثم تتطور كلما زاد عدد المشاريع وتعقيدها. المهم ألا يتحول مكتب إدارة المشاريع إلى جهة للتوثيق فقط. فتقرير يقول إن المشروع أنجز 95% لا يكفي إذا لم يتغير مؤشر أعمال واحد. يجب أن يربط المكتب بين تقدم المشروع والأثر الذي أُنشئ من أجله، مثل زيادة الإيرادات، أو خفض التكلفة، أو تحسين زمن الخدمة، أو تقليل المخاطر. مع نمو الشركات وتعدد مشاريعها، كيف تحدد الإدارة الأولويات وتضمن أن الاستثمارات القائمة تخدم أهدافها الاستراتيجية؟ تبدأ الأولوية من ارتباط المشروع بهدف استراتيجي قابل للقياس. إذا لم تستطع الإدارة توضيح المؤشر الذي سيؤثر فيه المشروع، فمن الصعب تبرير استمراره ضمن المحفظة. بعد ذلك تُقارن المشاريع وفق أثرها المتوقع، ومدى إلحاحها، والمخاطر التي تعالجها، والموارد التي تحتاج إليها. ويجب أن تشمل المراجعة قرار الإيقاف أو التأجيل، لا الاختيار بين إضافة مشاريع جديدة فقط. فاستمرار مشروع منخفض الأثر لمجرد أن جزءًا من تكلفته قد صُرف يستهلك موارد يمكن توجيهها إلى أولوية أهم. وعندما تكون الشركة في مرحلة نمو قوية، عليها أن تبدأ اختبار مسارها التالي قبل تراجع النشاط الحالي. لكن هذا التحول لا يكون إلى مجال عشوائي؛ بل يُفضّل أن يُبنى على قدرة تملكها الشركة بالفعل، مثل قاعدة العملاء، أو شبكة التوزيع، أو المعرفة التشغيلية، أو البيانات التي تراكمت لديها. ما الدور الذي تلعبه البيانات والتقارير ولوحات مؤشرات الأداء في مساعدة الإدارة على اتخاذ قرارات أفضل؟ التحدي لا يتعلق بكمية البيانات بقدر ما يتعلق بالثقة فيها. في بعض الاجتماعات، تحضر كل إدارة رقمًا مختلفًا للمؤشر نفسه، ويضيع وقت القرار في مناقشة مصدر الرقم بدلًا من مناقشة ما يجب فعله. تحتاج الشركة إلى تعريف موحد لكل مؤشر، ومصدر بيانات معلوم، ومسؤول عن جودة البيانات، وتوقيت واضح للتحديث. ثم تأتي لوحة المؤشرات لتعرض المعلومات التي تحتاج إليها الإدارة لاتخاذ قرار، لا كل ما يمكن للنظام عرضه. وتصبح البيانات أكثر فائدة عندما تجمع بين النتيجة النهائية والمؤشرات المبكرة. الإيراد مؤشر مهم، لكنه يخبرنا بما حدث. أما حجم الفرص المؤهلة، وزمن إنجاز الطلب، ونسبة التعثر، واستخدام الموارد، فتساعد الإدارة على التدخل قبل ظهور الأثر في القوائم المالية. ما المخاطر التي تتكرر في المشاريع والمبادرات الاستراتيجية؟ وكيف يمكن اكتشافها قبل أن تتحول إلى خسائر؟ الخسائر الكبيرة نادرًا ما تبدأ من خطر لم يعرفه أحد. غالبًا تكون الإشارات موجودة، لكن الخطر لا يملك مسؤولًا محددًا، أو لا توجد عتبة توضّح متى يجب التدخل. ينبغي أن تحدد الشركة لكل خطر رئيسي مالكًا، ومؤشر إنذار مبكر، وخطة استجابة. ومن المخاطر المتكررة: تركّز الإيرادات لدى عميل واحد. ضغط السيولة. الاعتماد على مورد رئيسي. تأخر القرارات. الاعتماد على كفاءة يصعب تعويضها. وتفيد المراجعة الخارجية في المقارنة مع السوق واختبار الافتراضات، لكنها لا تستبدل المتابعة الداخلية. إدارة المخاطر تصبح فعالة عندما تدخل في الاجتماعات والميزانية وقرارات المشروع، لا عندما تبقى في سجل يُحدّث لأغراض الامتثال فقط. إلى أي مدى يمكن للتحول الرقمي وأتمتة العمليات أن يرفعا كفاءة إدارة المشاريع والعمليات داخل الشركات؟ يرتفع الأثر عندما تعيد الشركة تصميم العملية نفسها، لا عندما تضيف واجهة رقمية فوق خطوات يدوية لم تتغير. قد يصل الطلب إلكترونيًا، ثم يعيد موظف إدخاله في ملف منفصل. في هذه الحالة أضافت الشركة قناة جديدة، لكنها لم تخفض العمل أو الأخطاء. المعيار العملي هو مقدار ما تغير داخل العملية: عدد الخطوات اليدوية التي أُزيلت. زمن الدورة الذي انخفض. الأخطاء التي تراجعت. مدى وضوح المسؤولية. وتساعد أنظمة ERP وCRM وسير العمل المؤتمت ولوحات المتابعة على توحيد البيانات وربط الإدارات، بدلًا من استمرار كل قسم في العمل داخل نظام منفصل. وتحتاج المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى الأتمتة مبكرًا؛ لأنها تتيح لفريق محدود إدارة حجم أكبر من العمليات دون زيادة مماثلة في عدد الموظفين. لكن البداية الصحيحة تكون بعملية متكررة وواضحة، يمكن قياس وضعها قبل الأتمتة ومقارنته بالنتائج بعدها. أين ترى القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في التخطيط وإدارة المشاريع وتحليل البيانات ودعم القرارات؟ تظهر القيمة عندما يُطبّق الذكاء الاصطناعي على عملية متكررة، ومدخلاتها معروفة، ومخرجاتها قابلة للمراجعة. لذلك قد تحقق الشركة عائدًا سريعًا من استخدامه في: تلخيص التقارير. إعداد المسودات الأولى. تحليل الملاحظات. تصنيف الطلبات. تجهيز الردود المتكررة. إعداد وثائق العقود والمناقصات. وفي إدارة المشاريع، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لمراجعة تقارير الأداء، ورصد الانحرافات، وتلخيص المخاطر، وتجهيز تقرير أسبوعي للإدارة، أو تنبيه المسؤول عند تجاوز مؤشر محدد. كما يستطيع وكيل ذكاء اصطناعي متابعة المهام الروتينية وجمع التحديثات من الأنظمة المختلفة، مع إبقاء القرارات المالية أو التشغيلية الحساسة تحت المراجعة البشرية. لكن شراء الأداة ليس نقطة البداية. يجب أولًا تحديد العملية التي تستهلك وقتًا، وقياس تكلفتها الحالية، ثم تنفيذ تجربة محدودة. فإذا أثبتت التجربة انخفاض الزمن أو الخطأ أو التكلفة، يمكن التوسع على أساس بيانات فعلية. كيف ترى مستوى نضج الشركات ورواد الأعمال في المنطقة الشرقية من ناحية التخطيط والحوكمة والتحول الرقمي وإدارة النمو؟ تمتلك المنطقة الشرقية قاعدة اقتصادية وصناعية قوية، وفرصًا كبيرة ترتبط بالطاقة والصناعة والخدمات وسلاسل الإمداد والمشاريع الكبرى. كما يوجد جيل من رواد الأعمال لديه طموح وقدرة على الوصول إلى هذه الفرص. الفجوة تظهر أحيانًا في الاستعداد المؤسسي. فالتأهل للعمل مع شركة كبيرة أو دخول مشروع معقد يحتاج إلى سياسات مطبقة، وصلاحيات واضحة، وتقارير موثوقة، وقدرة على إدارة الجودة والمخاطر والالتزامات التعاقدية. ولا يُقاس النضج بحجم المنشأة أو عمرها. يمكن لشركة صغيرة أن تكون منضبطة، ويمكن لشركة أكبر أن تظل قراراتها مرتبطة بصاحبها. المؤشرات الأوضح للنضج هي وجود إجراءات يعمل بها الفريق، ووضوح من يقرر عند التعارض، ومراجعة دورية تحسّن الإجراء وفق النتائج. ويُعد التأهل للعمل مع الشركات الكبرى أحد المسارات التي ترفع هذا النضج؛ لأن متطلبات الموردين والمشاريع تفرض مستوى أعلى من الانضباط. ما الرسالة التي تتمنى أن تصل إلى صاحب المنشأة الذي يريد الانتقال من إدارة الأعمال اليومية إلى بناء شركة مؤسسية قابلة للتوسع؟ ابدأ بسؤال عملي: هل تستمر العمليات الأساسية إذا غبت عن الشركة أسبوعين؟ إذا توقفت المبيعات، أو تعطلت الموافقات، أو لم يعرف الفريق ما يجب عليه فعله، فالشركة ما زالت تعتمد على وجود صاحبها أكثر من اعتمادها على نظام عمل. الانتقال إلى المؤسسية يبدأ بتوثيق العمليات الأساسية، وتحديد الصلاحيات، وتفويض القرارات المناسبة، وبناء مؤشرات قليلة تُراجع بانتظام. لا تحتاج المنشأة إلى تعقيد إداري كبير، لكنها تحتاج إلى وضوح يجعل العمل قابلًا للتكرار، ويمنع ضياع المعرفة داخل الأشخاص. النمو لا يعني زيادة المبيعات وحدها. فالمنتج الجيد يحتاج إلى نظام إداري وتشغيلي يحمله، وإلا بقي النجاح مؤقتًا وهشًا. وأقدّر لشركة برق تك إطلاق هذه المبادرة، وإتاحة مساحة لنقل الخبرات العملية إلى رواد الأعمال والمنشآت في المنطقة والمملكة. حين تصبح الاستراتيجية نظام عمل توضح رؤية محمد أحمد الحاج سليمان أن فجوة التنفيذ لا تُغلق بإضافة تفاصيل جديدة إلى الخطة، بل ببناء نظام يربط الهدف بالمشروع والميزانية والمسؤول والمؤشر. وحين يظهر الانحراف، يجب أن تمتلك الإدارة المعلومات والصلاحية والسرعة الكافية لتعديل المسار. يؤدي مكتب إدارة المشاريع دوره عندما يربط نسبة الإنجاز بالأثر، وتؤدي البيانات دورها عندما تمنح الإدارة رقمًا موحدًا في الوقت المناسب، وتنجح الأتمتة عندما تخفض الخطوات اليدوية فعلًا. أما الذكاء الاصطناعي، فتبدأ قيمته من اختيار عملية واضحة يمكن قياسها، لا من شراء أداة ثم البحث عن استخدام لها. اقرأ أيضًا: محمد المرهون لـ«برق تك»: الذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة البداية ورفع صعوبة المنافسة