ai
محمد المرهون لـ«برق تك»: في عصر الذكاء الاصطناعي… التقنية لم تعد الميزة التنافسية الوحيدة
في أول حوارات «قصص نجاح الشرقية»، يكشف محمد المرهون أخطاء الشركات الناشئة، وأهمية اختبار السوق، ومستقبل الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال في المنطقة الشرقية.
حوار وإعداد: منار بحيري عندما عاد محمد المرهون من الولايات المتحدة بعد حصوله على ماجستير إدارة الأعمال، كان الطريق المتوقع أن يتجه إلى واحدة من الشركات الكبرى؛ وظيفة مستقرة، ومسار مهني واضح، واسم معروف يضاف إلى سيرته الذاتية. لكنه اختار طريقًا مختلفًا. فضّل الانضمام إلى شركة عائلية صغيرة، لا لأنها كانت الخيار الأسهل، بل لأنها منحته شيئًا كان يراه أكثر قيمة في تلك المرحلة: مساحة حقيقية للتجربة. داخل هذه المساحة، أسس ثلاثة مشروعات في مجالات تنوعت بين التجارة الإلكترونية، والتقنية المالية، والتسويق الإلكتروني. نجح بعضها، ولم يحقق بعضها الآخر النتائج المتوقعة؛ لكن التجربتين، النجاح والإخفاق، أسهمتا في بناء رؤيته لما يعنيه أن تتحول الفكرة إلى مشروع، وأن يتحول المشروع إلى شركة قادرة على البقاء والنمو. هذه المساحات التي لا تظهر عادة في السير الذاتية هي ما تسعى برق تك إلى توثيقه من خلال سلسلة «قصص نجاح الشرقية» ؛ مبادرة إعلامية ومعرفية تقترب من تجارب رواد الأعمال والقيادات في المنطقة الشرقية، لا للاحتفاء بالنتائج النهائية فقط، وإنما للكشف عمّا سبقها من قرارات وتحديات وأخطاء ودروس تستحق أن تصل إلى الآخرين. ونستهل السلسلة مع محمد المرهون، مدير أول للمنتجات والنمو ومؤسس عدد من الشركات الناشئة، الذي يجمع بين خلفية مالية وتحليلية بوصفه خريج محاسبة مع مرتبة الشرف، ورؤية استراتيجية عززها بحصوله على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة كاليفورنيا. قاد المرهون تطوير أكثر من 35 منتجًا، وأسهم في بناء 4 علامات تجارية، وتوجيه وإطلاق أكثر من 25 شركة ناشئة في قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي، والتقنية المالية، والتجارة الإلكترونية، إلى جانب تأسيس 3 شركات ناشئة من الفكرة حتى الوصول إلى السوق. في هذا الحوار، يتحدث المرهون عن البدايات التي صنعت رؤيته، والأوهام التي تستنزف الشركات الناشئة، والفارق بين بناء منتج وبناء شركة، والفرصة التي تمتلكها المنطقة الشرقية لتصبح مركزًا لمشروعات التقنية العميقة. بدأت من المسار الأقل توقعًا… لماذا اخترت شركة صغيرة بعد عودتك من دراسة الماجستير؟ بعد عودتي من الولايات المتحدة، فضّلت العمل في شركة عائلية صغيرة على الانضمام إلى إحدى الشركات الكبرى والمعروفة. كان السبب الأساسي هو المرونة التي تميزت بها الشركة، والمساحة التي منحتني إياها للتجريب وتأسيس مشروعات جديدة. خلال تلك المرحلة، أسست ثلاثة مشروعات تنوعت بين المشروعات التقليدية والتقنية، وعملت في مجالات التجارة الإلكترونية، والتقنية المالية، والتسويق الإلكتروني. كانت تجربة غنية بنتائجها المختلفة. تعلمت من المشروعات التي نجحت، لكنني تعلمت أيضًا من المشروعات التي لم تحقق ما كنا نطمح إليه؛ لأن الإخفاق يكشف لك جوانب لا تظهر دائمًا عندما تسير الأمور كما خُطط لها. انتقلت بعد ذلك إلى العمل في فيودكس، المتخصصة في المشروعات الناشئة والتطوير التقني. وهناك أتيحت لي فرصة الاطلاع على عدد كبير من المشروعات الريادية، والتعامل مع تفاصيلها التقنية والتشغيلية والتجارية. هذه المرحلة منحتني رؤية أكثر شمولًا؛ لأنني لم أعد أنظر إلى المشروع بوصفه فكرة أو منتجًا تقنيًا فقط، بل كمنظومة مترابطة تضم نموذج العمل، والسوق، والعمليات، والعملاء، والتمويل، والقدرة على النمو. «تعلمت من المشروعات التي نجحت، لكنني تعلمت أيضًا من المشروعات التي لم تحقق ما كنا نطمح إليه». بعد اطلاعك على عشرات المشروعات، ما الذي يعطل رواد الأعمال أكثر: نقص الأفكار أم سوء إدارتها؟ المشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب الأفكار، بل سوء تقدير ما تحتاج إليه الفكرة حتى تتحول إلى شركة حقيقية. هناك ثلاثة تحديات أراها تتكرر باستمرار. أولها سوء تقدير التدفقات النقدية والسيولة. يعتقد بعض رواد الأعمال أن ميزانية محدودة ستكون كافية لبناء المنتج وإطلاق المشروع، لكنهم يكتشفون لاحقًا أن بناء المنتج لم يكن سوى بداية الطريق. المشروع يحتاج إلى ميزانية للتطوير والإطلاق والتسويق والتشغيل والتوسع، إلى جانب تأسيس الشركة وتجهيزها للنمو والاستثمار. لذلك من المهم أن يمتلك المؤسس تخطيطًا ماليًا يغطي مصروفات سنة مقبلة على الأقل، لا أن يستهلك كامل موارده في بناء النسخة الأولى. التحدي الثاني هو فخ الكمالية؛ إذ ينفق بعض المؤسسين وقتًا طويلًا وميزانيات كبيرة في محاولة الوصول إلى أفضل نسخة ممكنة قبل مواجهة السوق. أما التحدي الثالث ، فهو التأخر في الاختبار الحقيقي. عندما يتأخر المشروع في الوصول إلى العميل، فإنه لا يؤجل المبيعات فقط؛ بل يؤجل أيضًا التعلم، واكتشاف الأخطاء، والتحقق من حاجة السوق. لماذا يتحول البحث عن «المنتج المثالي» إلى خطر على الشركة الناشئة؟ لأن المنتج المثالي في ذهن المؤسس قد لا يكون هو المنتج الذي يحتاج إليه العميل. يمكن للفريق أن يقضي أشهرًا في بناء خصائص يعتقد أنها مهمة، ثم يكتشف بعد الإطلاق أن العميل لا يستخدمها، أو أن المشكلة الأساسية التي يحتاج إلى حلها مختلفة عن تصورات الفريق. لهذا السبب، أؤمن بأهمية إطلاق أقل منتج قابل للنمو (MVP) بأسرع وقت ممكن. الهدف من النسخة الأولى ليس إبهار السوق، وإنما اختبار الفكرة والحصول على تغذية راجعة حقيقية. سرعة الإطلاق لا تعني التهاون في الجودة، وإنما تعني التركيز على القيمة الأساسية للمنتج، بدلًا من استنزاف الموارد في تفاصيل يمكن تطويرها لاحقًا. كل يوم يقضيه المشروع بعيدًا عن السوق هو يوم إضافي يعتمد فيه على الافتراضات بدلًا من المعلومات. «النسخة الأولى لا يجب أن تكون مثالية؛ يجب أن تكون كافية لاختبار ما إذا كنا نبني شيئًا يحتاج إليه السوق». هل كل صاحب مشروع رائد أعمال؟ وما الفارق بين إدارة نشاط تجاري وبناء شركة قابلة للنمو؟ الفارق الجوهري يكمن في نموذج العمل وقابليته للتوسع. المشروع الريادي يقوم على نموذج يمكنه الوصول إلى عدد أكبر من العملاء والنمو بسرعة، دون أن ترتفع تكاليفه واستثماراته بالمعدل نفسه مع كل مرحلة توسع. أما المشروع التقليدي، فعادةً ما يحتاج إلى ضخ استثمارات رأسمالية وتكاليف تشغيلية جديدة مع كل توسع، مثل افتتاح فروع إضافية، أو زيادة الأصول، أو تعيين مزيد من الموظفين لخدمة العملاء الجدد. هذا لا يعني أن المشروع الريادي أفضل من المشروع التقليدي؛ فكلاهما يمكن أن يكون ناجحًا ومربحًا. لكن من الضروري أن يعرف المؤسس طبيعة النموذج الذي يبنيه، لأن متطلبات الإدارة والتمويل والتوسع تختلف من نموذج إلى آخر. هل أصبحت سهولة بناء المنتجات التقنية ميزة لرواد الأعمال أم فخًا جديدًا؟ هي فرصة كبيرة، لكنها قد تتحول إلى فخ إذا أصبحت التقنية هي نقطة البداية بدلًا من المشكلة. أصبح من السهل اليوم بناء التطبيقات والمنصات وإضافة عدد كبير من الخصائص، وقد يدفع ذلك بعض المؤسسين إلى الاعتقاد بأن كثرة المزايا تعني منتجًا أقوى. لكن إضافة خصائص لا تخدم القيمة المقترحة الأساسية قد تضر المشروع أكثر مما تفيده؛ لأنها تشتت هدف المنتج، وتضعف رسالته التسويقية، وتجعل العميل غير قادر على فهم السبب الحقيقي الذي يدفعه إلى استخدامه. قبل التفكير في الخصائص التقنية، يجب أن يجيب المؤسس عن ثلاثة أسئلة واضحة: ما المشكلة التي يحلها؟ ومن العميل الذي يعاني منها؟ وما القيمة التي يقدمها بصورة أفضل من البدائل الموجودة؟ إذا لم تكن هذه الإجابات واضحة، فلن تعوضها كثرة الخصائص. «قد تنجح في بناء تطبيق متكامل تقنيًا، ثم تكتشف أنك لم تبنِ سببًا كافيًا يجعل العميل يستخدمه». كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على المنافسة؟ أصبح الذكاء الاصطناعي عامل تمكين حقيقي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. في السابق، كان بناء بعض الحلول التقنية يحتاج إلى فرق كبيرة وميزانيات مرتفعة. أما اليوم، فيستطيع رائد الأعمال بناء نسخة أولية من فكرته، أو تطوير أدوات داخلية ووكلاء ذكاء اصطناعي، بتكلفة ووقت أقل بكثير. يمكن استخدام هذه الأدوات في خدمة العملاء، ودعم المبيعات، وتحليل البيانات، وإعداد التقارير والمحتوى، وأتمتة المهام اليومية. وهذا يمنح الفرق الصغيرة قدرة إنتاجية كانت تحتاج في السابق إلى موارد أكبر. لكن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لا تتحقق لمجرد استخدامه أو إضافته إلى اسم المنتج. يجب أن تكون هناك نتيجة واضحة: وقت أقل، أو تكلفة أقل، أو خدمة أسرع، أو قرار أفضل، أو تجربة أكثر جودة للعميل. إذا لم نستطع قياس الأثر، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مجرد توجه تسويقي عابر. مع إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للجميع، أين ستكون الميزة التنافسية؟ سنشهد تشبعًا متزايدًا في السوق بحلول وشركات تعتمد على الجانب البرمجي وحده؛ لأن الأدوات أصبحت متاحة، وتكلفة بناء المنتجات الرقمية انخفضت، وأصبح من السهل نسبيًا تكرار كثير من الخصائص. لذلك، أتوقع أن تتجه الفرص الأقوى نحو دمج التقنية والذكاء الاصطناعي بأصول وموارد حقيقية على أرض الواقع. يمكن أن نرى مشروعات تربط الذكاء الاصطناعي بالمراكز التجارية، أو أساطيل السيارات والشاحنات، أو المصانع، أو سلاسل الإمداد والخدمات الميدانية. وجود أصل تشغيلي، أو بيانات يصعب على المنافسين الوصول إليها، أو شبكة فعلية من العملاء والموردين، يمكن أن يصنع حاجزًا تنافسيًا أقوى من الاعتماد على البرمجيات وحدها. في المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال: من يستطيع بناء التقنية؟ بل: من يستطيع دمج التقنية بأصل حقيقي ونموذج عمل يصعب تقليده. وصفت بيئة ريادة الأعمال في المنطقة الشرقية بأنها «جيدة جدًا وليست ممتازة»… ما الذي ينقصها؟ المنطقة الشرقية تمتلك بيئة ريادية جيدة جدًا، لكنها تحتاج إلى زخم أكبر حتى تصل إلى مستوى ممتاز، خصوصًا عند مقارنتها بالحركة الموجودة في الرياض. هناك تراجع نسبي في ظهور الأفكار النوعية، في مقابل تشبع السوق ببعض نماذج المشروعات التي أصبحت تقليدية أو متكررة. أعتقد أن الفرصة الحقيقية للمنطقة الشرقية تكمن في التقنيات العميقة (Deep Tech)؛ لأنها تمتلك مقومات لا تتوافر بالضرورة في مناطق أخرى. لدينا وادي الظهران للتقنية، ولدينا القدرات العلمية والتقنية العالية لطلاب وخريجي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إلى جانب البيئة الصناعية والطاقة والخدمات اللوجستية. إذا نجحنا في الربط بين البحث العلمي وريادة الأعمال واحتياجات القطاعات الكبرى، يمكن أن تخرج من المنطقة مشروعات نوعية لا تنافس محليًا فقط، بل تمتلك فرصًا للوصول إلى أسواق عالمية. «المنطقة الشرقية لا تحتاج إلى مزيد من الأفكار المتكررة؛ بل إلى مشروعات توظف قدراتها العلمية والصناعية في بناء تقنيات يصعب تقليدها» . لماذا نحتاج إلى توثيق قصص رواد الأعمال بدلًا من الاكتفاء بالاحتفاء بنجاحهم؟ أنطلق من مبدأ «زكاة العلم نشره». منظومة ريادة الأعمال لا تتكون من المستثمرين والحاضنات والمسرعات والجهات الداعمة فقط؛ بل تحتاج أيضًا إلى قدوات وملهمين ينقلون تجاربهم إلى الجيل الجديد. عندما نوثق قصة نجاح، يجب ألا نكتفي بالنتيجة النهائية أو الأرقام. القيمة الحقيقية توجد في التفاصيل: كيف بدأت الفكرة؟ ما القرارات الصعبة؟ ما الأخطاء التي وقعت؟ وكيف تجاوز المؤسس اللحظات التي كان يمكن أن يتوقف عندها المشروع؟ هذه القصص تمنح الشباب والطلاب وأصحاب الأفكار الجريئة الحافز للبدء، لكنها تمنحهم أيضًا معرفة عملية تساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا. لو كان على كل رائد أعمال أن يشارك درسًا واحدًا مع الآخرين، فماذا تختار؟ أتمنى أن يشارك رواد الأعمال قصص الفشل. من السهل أن نتحدث عن النجاحات، والاستثمارات، والنمو، لكن الدروس الأهم غالبًا توجد في التجارب التي لم تنجح. قد يشعر المؤسس بالحرج من الحديث عن مشروع فشل، أو قرار اتضح لاحقًا أنه كان خاطئًا، لكن مشاركة هذه التجربة قد تساعد رائد أعمال آخر على تجنب الخطأ نفسه، أو الاستعداد له بصورة أفضل. ومن المهم أن يتم توثيق هذه الخبرات رقميًا من خلال البودكاست والحوارات المسجلة والمنصات مثل يوتيوب، حتى لا ينتهي أثرها بانتهاء الفعالية أو اللقاء المباشر. الأفضل هو الدمج بين اللقاءات الحية والتوثيق الرقمي الذي يحافظ على المعرفة ويجعلها متاحة للجميع. بين الفكرة والسوق لا يتحدث محمد المرهون عن النجاح باعتباره لحظة وصول، بل نتيجة لسلسلة طويلة من الاختبارات: فكرة توضع أمام العميل، وافتراض يتغير، وميزة تُحذف، وقرار لا يحقق النتيجة المنتظرة لكنه يمنح صاحبه معرفة لا يمكن اكتسابها من الكتب. وربما تكون الخلاصة الأهم في تجربته أن أخطر ما يمكن أن يواجه الشركة الناشئة ليس أن تطلق منتجًا أوليًا غير مكتمل؛ بل أن تنفق وقتها ومواردها في بناء منتج مثالي لم يختبره أحد. فالأسواق لا تكافئ أكثر الأفكار تعقيدًا، وإنما تكافئ من يفهم المشكلة، ويصل إلى العميل مبكرًا، ويتعلم أسرع من الآخرين. ومن خلال «قصص نجاح الشرقية»، تواصل برق تك البحث عن هذه التجارب: قصص لا تقدم النجاح بوصفه صورة نهائية لامعة، بل معرفة حيّة يمكن أن يتعلم منها الآخرون ويبنون عليها. اقرأ أيضًا: الرئيس التنفيذي لـ «برق تك»: الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان بل يحرره.. والتحول التقني لم يعد ترفًا